محمد بن جرير الطبري
24
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سمعت سيارا أبا الحكم يحدث عن شهر بن حوشب ، عن محمد بن عبد الله بن سلام ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أو قال : قدم علينا رسول الله فقال : " إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرا أفلا تخبروني ؟ " قالوا : يا رسول الله ، إنا نجد علينا مكتوبا في التوراة : الاستنجاء بالماء . قال مالك : يعني قوله : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا . حدثني أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، قال : لما نزلت هذه الآية : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما طهوركم هذا الذي ذكر الله ؟ " قالوا : يا رسول الله كنا نستنجي بالماء في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام لم ندعه ؛ قال : " فلا تدعوه " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : كان في مسجد قباء رجال من الأنصار يوضئون سفلتهم بالماء يدخلون النخل والماء يجري ، فيتوضئون . فأثنى الله بذلك عليهم ، فقال : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا الآية . حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، قال : أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء ، فنزلت فيهم : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ . وقيل : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ وإنما هو المتطهرين ، ولكن أدغمت التاء في الطاء ، فجعلت طاء مشددة لقرب مخرج إحداهما من الأخرى . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ اختلفت القراء في قراءة قوله : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ فقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة : " أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه " على وجه ما لم يسم فاعله في الحرفين كليهما . وقرأت ذلك عامة قراء الحجاز والعراق : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ على وصف من بناء الفاعل الذي أسس بنيانه . وهما قراءتان متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ؛ غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى " من " إذ كان هو المؤسس أعجب إلي . فتأويل الكلام إذا : أي هؤلاء الذين بنوا المساجد خير أيها الناس عندكم الذين ابتدءوا بناء مسجدهم على اتقاء الله بطاعتهم في بنائه وأداء فرائضه ورضا من الله لبنائهم ما بنوه من ذلك وفعلهم ما فعلوه خير ، أم الذين ابتدءوا بناء مسجدهم على شفا جرف هار ، يعني بقوله : عَلى شَفا جُرُفٍ على حرف جر ، والجرف من الركي ما لم يبن له جول . هارٍ يعني متهور ، وإنما هو هائر ولكنه قلب ، فأخرت ياؤها ، فقيل هار كما قيل : هو شاك السلاح وشائك ، وأصله من هار يهور فهو هائر ؛ وقيل : هو من هار يهار : إذا انهدم ، ومن جعله من هذه اللغة قال : هرت يا جرف ؛ ومن جعله من هار يهور قال : هرت يا جرف ؛ وإنما هذا مثل . يقول تعالى ذكره : أي هذين الفريقين خير ، وأي هذين البناءين أثبت ، أمن ابتدأ أساس بنائه على طاعة الله وعلم منه بأن بناءه لله طاعة والله به راض ، أم من ابتدأه بنفاق وضلال وعلى غير بصيرة منه بصواب فعله من خطئه ، فهولا يدري متى يتبين له خطأ فعله وعظيم ذنبه فيهدمه ، كما يأتي البناء على جرف ركية لا حابس لماء السيول عنها ولغير من المياه ترى به التراب متناثرا لا تلبثه السيول أن تهدمه وتنثره ؟ يقول الله جل ثناؤه : فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ يعني فانتثر الجرف الهاري ببنائه في نار جهنم . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : فانهار به قواعده في نار جهنم . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَانْهارَ بِهِ يقول : فخر به . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا